ابن كثير
204
تفسير القرآن العظيم ( تفسير ابن كثير ) ( بيروت )
حتى قضى اللّه فيه ، فلذلك قال عز وجل وَعَلَى الثَّلاثَةِ الَّذِينَ خُلِّفُوا وليس تخليفه إيانا وإرجاؤه أمرنا الذي ذكر مما خلفنا بتخليفنا عن الغزو ، وإنما هو عمن حلف له واعتذر إليه فقبل منه « 1 » . هذا حديث صحيح ثابت متفق على صحته رواه صاحبا الصحيح البخاري ومسلم ، من حديث الزهري بنحوه ، فقد تضمن هذا الحديث تفسير هذه الآية الكريمة بأحسن الوجوه وأبسطها ، وكذا روي عن غير واحد من السلف في تفسيرها ، كما رواه الأعمش عن أبي سفيان عن جابر بن عبد اللّه في قوله تعالى : وَعَلَى الثَّلاثَةِ الَّذِينَ خُلِّفُوا قال : هم كعب بن مالك ، وهلال بن أمية ، ومرارة بن الربيع ، وكلهم من الأنصار ، وكذا قال مجاهد والضحاك وقتادة والسدي وغير واحد وكلهم قال مرارة بن ربيعة ، وكذا في مسلم بن ربيعة في بعض نسخه ، وفي بعضها مرارة بن الربيع ، وفي رواية عن الضحاك مرارة بن الربيع كما وقع في الصحيحين وهو الصواب ، وقوله فسموا رجلين شهدا بدرا قيل إنه خطأ من الزهري ، فإنه لا يعرف شهود واحد من هؤلاء الثلاثة بدرا ، واللّه أعلم . ولما ذكر تعالى ما فرج به عن هؤلاء الثلاثة من الضيق والكرب من هجر المسلمين إياهم نحوا من خمسين ليلة بأيامها ، وضاقت عليهم أنفسهم وضاقت عليهم الأرض بما رحبت ، أي مع سعتها فسدت عليهم المسالك والمذاهب فلا يهتدون ما يصنعون ، فصبروا لأمر اللّه واستكانوا لأمر اللّه وثبتوا حتى فرج اللّه عنهم بسبب صدقهم رسول اللّه صلى اللّه عليه وسلم في تخلفهم ، وأنه كان عن غير عذر فعوقبوا على ذلك هذه المدة ثم تاب اللّه عليهم ، فكان عاقبة صدقهم خيرا لهم وتوبة عليهم ، ولهذا قال يا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اتَّقُوا اللَّهَ وَكُونُوا مَعَ الصَّادِقِينَ أي اصدقوا والزموا الصدق تكونوا من أهله وتنجوا من المهالك ، ويجعل لكم فرجا من أموركم ومخرجا . وقد قال الإمام أحمد « 2 » : حدثنا أبو معاوية ، حدثنا الأعمش ، عن شقيق عن عبد اللّه هو ابن مسعود رضي اللّه عنه قال : قال رسول اللّه صلى اللّه عليه وسلم : « عليكم بالصدق فإن الصدق يهدي إلى البر ، وإن البر يهدي إلى الجنة ، ولا يزال الرجل يصدق ويتحرى الصدق حتى يكتب عند اللّه صديقا ، وإياكم والكذب فإن الكذب يهدي إلى الفجور وإن الفجور يهدي إلى النار ، ولا يزال الرجل يكذب ويتحرى الكذب حتى يكتب عند اللّه كذابا » « 3 » أخرجاه في الصحيحين . وقال شعبة عن عمرو بن مرة : سمع أبا عبيدة يحدث عن عبد اللّه بن مسعود رضي اللّه عنه أنه قال : الكذب لا يصلح منه جد ولا هزل ، اقرءوا إن شئتم يا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اتَّقُوا اللَّهَ وَكُونُوا مَعَ الصَّادِقِينَ هكذا قرأها ، ثم قال فهل تجدون لأحد فيه رخصة « 4 » ، وعن عبد اللّه بن
--> ( 1 ) أخرجه البخاري في تفسير سورة 9 ، باب 18 ، ومسلم في التوبة حديث 53 . ( 2 ) المسند 1 / 384 . ( 3 ) أخرجه البخاري في الأدب باب 69 ، ومسلم في البر حديث 103 ، 104 ، 105 . ( 4 ) انظر تفسير الطبري 6 / 509 ، 510 .